محمد بن جرير الطبري

91

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جميعا . وأما قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ فإن معناه : واعلموا أيها المؤمنون بالله أنكم إن قاتلتم ا لمشركين كافة ، واتقيتم الله فأطعتموه فيما أمركم ونهاكم ولم تخالفوا أمره فتعصوه ، كان الله معكم على عدوكم وعدو من المشركين ؛ ومن كان الله معه لم يغلبه شيء ، لأن الله مع من اتقاه فخافه وأطاعه فيما كلفه من أمره ونهيه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ يقول تعالى ذكره : ما النسيء إلا زيادة في الكفر ، والنسيء مصدر من قول القائل : نسأت في أيامك ونسأ الله في أجلك : أي زاد الله في أيام عمرك ومدة حياتك حتى تبقى فيها حيا . وكل زيادة حدثت في شيء ، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه نسيء ، ولذلك قيل للبن إذا كثر بالماء نسيء ، وقيل للمرأة الحبلى نسوء ، ونسئت المرأة ، لزيادة الولد فيها ؛ وقيل : نسأت الناقة وأنسأتها : إذا زجرتها ليزداد سيرها . وقد يحتمل أن النسيء فعيل صرف إليه من مفعول ، كما قيل : لعين وقتيل ، بمعنى : ملعون ومقتول ، ويكون معناه : إنما الشهر المؤخر زيادة في الكفر . وكأن القول الأول أشبه بمعنى الكلام ، وهو أن يكون معناه : إنما التأخير الذي يؤخره أهل الشرك بالله من شهور الحرم الأربعة وتصييرهم الحرام منهن حلالا والحلال منهن حراما ، زيادة في كفرهم وجحودهم أحكام الله وآياته . وقد كان بعض القراء يقرأ ذلك النسيء : " إنما النسي " بترك الهمز وترك مده . يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة الكوفيين : " يضل به الذين كفروا " بمعنى : يضل الله بالنسيء الذي ابتدعوه وأحدثوه الذين كفروا . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بمعنى : يزول عن حجة الله التي جعلها لعباده طريقا يسلكونه إلى مرضاته الذين كفروا . وقد حكي عن الحسن البصري : يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بمعنى : يضل بالنسيء الذي سنه الذين كفروا ، الناس . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : هما قراءتان مشهورتان ، قد قرأت بكل واحدة القراء أهل العلم بالقرآن والمعرفة به ، وهما متقاربتا المعنى ، لأن من أضله الله فهو ضال ومن ضل فبإضلال الله إياه وخذلانه له ضل ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب في ذلك مصيب . وأما الصواب من القراء في النسيء ، فالهمز ، وقراءته على تقدير فعيل ، لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار التي لا يجوز خلافها فيما أجمعت عليه . وأما قوله : يُحِلُّونَهُ عاماً فإن معناه : يحل الذين كفروا النسيء ، والهاء في قوله : يُحِلُّونَهُ عائدة عليه . ومعنى الكلام : يحلون الذين أخروا تحريمه من الأشهر الأربعة الحرم عاما ويحرمونه عاما ، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ يقول : ليوافقوا بتحليلهم ما حللوا من الشهور وتحريمهم ما حرموا منها ، عدة ما حرم الله فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ يقول : حسن لهم وحبب إليهم سيئ أعمالهم وقبيحها وما خولف به أمر الله وطاعته . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ يقول : والله لا يوفق لمحاسن الأفعال وحلها وما لله فيه رضا ، القوم الجاحدين توحيده والمنكرين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكنه يخذلهم عن الهدى كما خذل هؤلاء الناس عن الأشهر الحرم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ قال : النسيء : هو أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم في كل عام ، وكان يكنى أبا ثمامة ، فينادي : ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب ،